المقريزي
94
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
محمد بن عليّ بن محمد بن سليم بن حنا : أبو عبد اللّه الوزير الصاحب فخر الدين بن الوزير الصاحب بهاء الدين ، ولد في سنة اثنتين وعشرين وستمائة ، وتزوّج بابنة الوزير الصاحب شرف الدين هبة اللّه بن صاعد الفائزيّ ، وناب عن والده في الوزارة ، وولي ديوان الأحباس ووزارة الصحبة في أيام الظاهر بيبرس ، وسمع الحديث بالقاهرة ودمشق ، وحدّث ، وله شعر جيد ، ودرس بمدرسة أبيه الصاحب بهاء الدين التي كانت في زقاق القناديل بمصر ، وكان محبا لأهل الخير والصلاح مؤثرا لهم متفقدا لأحوالهم ، وعمر رباطا حسنا بالقرافة الكبرى ، رتب فيه جماعة من الفقراء ، ومن غريب ما يتعظ به الأريب أن الوزير الصاحب زين الدين يعقوب بن عبد الرفيع بن الزبير ، الذي كان بنو حنا يعادونه ، وعنه أخذوا الوزارة ، مات في ثالث عشر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وستمائة بالسجن ، فأخرج كما تخرج الأموات الطرحاء على الطرقات من الغرباء ، ولم يشيع جنازته أحد من الناس مراعاة للصاحب بن حنا ، وكان فخر الدين هذا يتنزه في أيام الربيع بمنية القائد ، وقد نصبت له الخيام ، وأقيمت المطابخ وبين يديه المطربون ، فدخل عليه البشير بموت الوزير يعقوب بن الزبير ، وأنه أخرج إلى المقابر من غير أن يشيع جنازته أحد من الناس ، فسرّ بذلك ولم يتمالك نفسه وأمر المطربين فغنوه ، ثم قام على رجليه ورقص هو وسائر من حضره ، وأظهر من الفرح والخلاعة ما خرج به عن الحدّ ، وخلع على البشير بموت المذكور خلعا سنية ، فلم يمض على ذلك سوى أقلّ من أربعة أشهر ومات في حادي عشري شعبان من السنة المذكورة ، ففجع به أبوه ، وكانت له جنازة عظيمة ، ولما دلّي في لحده قام شرف الدين محمد بن سعيد البوصيريّ ، صاحب البردة ، في ذلك الجمع الموفور بتربة ابن حنا من القرافة وأنشد : نم هنيئا محمد بن عليّ * بجميل قدّمت بين يديكا لم تزل عوننا على الدهر حتّى * غلبتنا يد المنون عليكا أنت أحسنت في الحياة إلينا * أحسن اللّه في الممات إليكا فتباكى الناس ، وكان لها محل كبير ممن حضر رحمة اللّه عليهم أجمعين . وفي هذا الجامع يقول السراج الورّاق : بنيتم على تقوى من اللّه مسجدا * وخير مباني العابدين المساجد فقل في طراز معلم فوق بركة * على حسنها الزاهي لها البحر حاسد لها حلل حسنى ولكن طرازها * من الجامع المعمور بالله واحد هو الجامع الإحسان والحسن الذي * أقرّ له زيد وعمرو وخالد وقد صافحت شهب الدجى شرفاته * فما هي بين الشهب إلّا فراقد وقد أرشد الضلال عالي مناره * فلا حائر عنه ولا عنه حائد